حين اختُطفت صورة الوحدة: علي سالم البيض شريك أُقصي… والتاريخ الذي زُوِّر

مبارك عبدالقادر الشيباني :

لم تكن مأساة علي سالم البيض في خروجه من السلطة، ولا في خلافه السياسي بل في الطريقة الدنيئة التي جرى بها التعامل مع التاريخ نفسه حين تحولت الوحدة اليمنية من مشروع وطني مشترك إلى ملكية شخصية في يد علي عبدالله صالح.

علي سالم البيض لم يكن تفصيلًا في وحدة 22 مايو بل كان أحد صانعيها الحقيقيين رجل تنازل عن الرئاسة، وعن عاصمة دولة وعن نفوذ كامل من أجل فكرة آمن بها حتى النهاية. ومع ذلك، جرى لاحقًا طمس دوره عمدًا ليس صدفة بل كجزء من سياسة ممنهجة لتزوير الوعي العام.

أوضح صور هذا التزوير وأكثرها فجاجة، تمثلت في الصورة التاريخية لرفع علم الوحدة.

تلك الصورة التي أُعيد إنتاجها آلاف المرات في المدارس والمؤسسات والمناسبات الرسمية بوجه واحد فقط: علي عبدالله صالح، وكأن الوحدة وُلدت من فراغ أو كأن شريكها الجنوبي لم يكن موجودًا أصلًا.

لم يكن تغييب صورة علي سالم البيض سهوًا، بل سلوكًا دعائيًا رخيصاً يعكس عقلية احتكار السلطة واحتكار الرمز واحتكار الوطن. أسلوبٌ دنيٌّ يُدار بعقلية الغلبة لا الشراكةوبمنطق “أنا الدولة… وأنا التاريخ”.

المفارقة الصادمة أن علي سالم البيض يوم رُفع علم الوحدة في قصر الرئاسة بالتواهي تعمد أن يترك شرف رفع العلم لعلي عبدالله صالح، لأن الفكرة عنده كانت أكبر من الصورةولأن الوحدة في وعيه لا تُختزل في لقطة ولا تُحتكر بيد شخص. لكنه لم يكن يدرك أن هذه الروح الأخلاقية ستُستغل لاحقًا لإقصائه من المشهد، بل ومن الذاكرة.

وحين انحرفت الوحدة عن معناها، وتحولت إلى ضمٍّ بالقوة، وإقصاء سياسي وحرب شاملة عام 1994، قال البيض كلمته بوضوح:

هذه ليست الوحدة التي اتفقنا عليها.

لم ينافق ولم يساوم ولم يبرر الجريمة باسم الوطن فكان ثمن الموقف التشويه والتخوين والمسح المتعمد من الصورة.

ومع ذلك لم يتحول علي سالم البيض إلى تاجر دم ولم يؤسس مليشيات، ولم يستدعِ الخراب بل بقي خلافه سياسيًا بينما تحولت الدولة في عهد خصمه إلى أداة قمع، والدعاية إلى وسيلة لتزييف التاريخ.

الأكثر دلالةأن علي عبدالله صالح نفسه قال عنه يوماً

“كان شخصًا شجاعاً صاحب قرار ورجلًا مسؤولًا.”

لكن صالح – الذي شهد له – لم يحتمل شريكًا في الرمز ولا شريكًا في المجد، فاحتفظ بالصورة… وأسقط صاحبها.

اليوم، برحيل علي سالم البيض، لم يعد مقبولًا الاستمرار في هذه المسرحية.

فالتاريخ لا يُكتب بالصور المعلقة على الجدران، بل بالمواقف التي صمدت.

وإذا كانت وحدة 22 مايو إنجازًا وطنيًا، فإن تغييب أحد مهندسيها خيانة للحقيقة قبل أن تكون ظلمًا لرجل.

وداعًا علي سالم البيض…

لم تكن قديسًا

ولا ملاكًا

لكنك كنت شريكًا حقيقيًا في أعظم مشروع وطني

وخصمًا شريفًا في زمن امتلأ بالانتهازيين.

أما الصورة…

فستسقط يوماً

ويبقى التاريخ لمن صنعه لا لمن سرقه

رحمه الله وغفر له ولروحه السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى